الطريق إلى العافية بقلم: النائب يحيى العبادسة

إن المتأمل في واقع الشعب الفلسطيني وهو في حالة استرخاء يحصي عليه عدداً كبيراً من السلوكيات السلبية، التي لا تعكس خيرية هذا الشعب، والذي وردت آثار عديدة في انه اصطفاء من اصطفاء، فالثابت أن الأمة الإسلامية هي خير الأمم لقوله تعالى: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" والشعب الفلسطيني هو صفوة الأمة الإسلامية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا شام أنت خيرتي من بلادي، اجتبي لك خيرتي من عبادي" ويؤكد ذلك أيضاً حديث الطائفة المنصورة: " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ ولا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ".

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ "، فإن كان الشعب الفلسطيني هو خيار من خيار، فما بالنا نرى الأمراض الاجتماعية والأخلاقية قد أصابت قطاعات ليست بالقليلة منه، فسياسيوه مثلاً منقسمون على أنفسهم، ولا يكادون يتفقون على إنهاء حالة الانقسام والتي أثرت على جميع شؤون ومصالح الشعب، حتى أنها تعمقت وتجذرت اجتماعياً وأمنياً واقتصادياً، وأثرت على المواطن المريض والطالب والعامل والموظف والتاجر.

والشباب الفلسطيني أيضاً أصبحت اهتماماته هامشية فهو يهتم بالكرة الإسبانية، ويتابع فريق البرشة، والريال أكثر من متابعة إجراءات تهويد الاحتلال للقدس، أو متابعة ونصرة قضية اللاجئين أو نصرة قضية الأسرى، وأصبحنا نرى تقليداً غير مسبوق للغرب في تقليعات اللباس وقصات الشعر وأصبح عدد كبير من الشباب أسير السهر على الفضائيات الإباحية ومواقع الانترنت الفاضحة وغرف الشات المغلقة ومواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر وغيره.

وإذا نظرنا إلى المجتمع نلاحظ ان هناك تراجعاً في مؤشرات التدين العام، ومنها مدى التزام المرأة بمواصفات اللباس، أو في حفلات الأعراس وما يجري فيها من مخالفات شرعية ومخالفات لأصول الحياء والحشمة والأدب.

وبالرجوع إلى إحصائيات الشرطة، نلاحظ انتشاراً واسعاً لبعض العقاقير المهدئة، مثل الترامال وبعض أنواع المخدرات، وكذلك الانتشار الواسع للتدخين في المجتمع، حتى وصل الأمر إلى الأطفال في المدارس.

اقرأ أيضاً

أما الموظف في الوظيفة العمومية، فهو يعاني من قلة ذات اليد، لعدم كفاية الراتب مع ارتفاع مستوى المعيشة، وكل ذلك يولد مشكلات نفسية مركبة، ويجعل المجتمع أكثر تأففاً وضجراً وسخطاً، ينعكس على البعض بأساً وانسحاباً من الاهتمام العام وضعفاً في الهمة، وانكفاءً على الذات.

إن هذه الظواهر من الأمراض الاجتماعية والأخلاقية هي انعكاس لحالة الاسترخاء وتوقف المقاومة على مستوى الوطن، خاصة عندما يغيب المشروع الوطني الملهم، والذي يشغل العقول ويستنفر عناصر الخير في النفوس، ويتحمس له الصغير والكبير من الشعب ويشعر الجميع بأنه يعيش لقضية عظيمة، ليست هي قضية النخبة الثقافية فقط وإنما هي قضية الشعب كله، بكل فئاته وقواه وفصائله، بحيث تملأ هذه القضية على كل واحد منا عقله ونفسه وتحرك وجدانه ومشاعره، فتكون مستفزة لكوامن الخير، ومحركة لجميع عناصر الفعل الإرادي الإيجابي في اتجاه العمل والجد والاجتهاد.

ما أحوجنا إلى مشروع وطني يعيد لشعبنا وحدته، ويعيد لنا الأمل في الحرية والكرامة والعودة، مشروع يرتكز إلى الحق الثابت في فلسطين كل فلسطين ويرتكز إلى أن المقاومة هي السبيل لتحقيق آمال الشعب وتطلعاته في الحرية والكرامة والتحرير.

ما أروع ان نتمكن من تحقيق الوفاق الوطني، على مشروع وطني تحرري جامع، يوحد بين الإسلاميين والعلمانيين، ويوحد بين الليبراليين والإسلاميين مشروع يجمع بين الفقير والغني، وبين ابن المدينة وابن الريف، نحقق به آمال العمال وأصحاب العمل، تتحمس له المرأة بقدر تحمس الرجل، تجتمع عليه الحركة الطلابية بجميع توجهاتها، مشروع يجد كل واحد من أبناء الشعب فيه نفسه ويحقق طموحه، مشروع يملأنا بالعزة ويثير فينا الحماسة إلى درجة الاندفاع نحو الشهادة، مشروع يقوم على رضا الرب وإخلاص العبد، يتبناه الجميع وتدافع عنه الفصائل من اليسار ومن اليمين، الفتحاوي والحمساوي، واللاجئ والمواطن والرجل والمرأة والشباب والشيوخ.

 

إن مثل هذا المشروع الوطني، هو وحده القادر على استنفار طاقات الخير في النفوس والعقول، فيخرج منا أفضل ما فينا من أخلاق وقيم وصفات، ويشيع فينا قيم الخير والصلاح.

إن استئناف مشروع المقاومة، كفيل بعلاج جميع ما أصابنا من سقم ومرض وضعف وهو وحده الذي يوصل المجتمع إلى حالة الصحة والعافية.

ما أروعك أيها الشعب وأنت تتلبسك الثورة والمقاومة، وما أقسى أن تتوقف البنادق عن الزغردة في ميادين الوطن.