الأردن وإسرائيل: ما الجديد في اتفاقات المياه المتجددة؟ / دينا ابو جبارة

دينا أبو جبارة.jpg

الأردن وإسرائيل: ما الجديد في اتفاقات المياه المتجددة؟ / دينا ابو جبارة
غزة / المشرق نيوز 
تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون معالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

اتفقت المملكة الأردنية الهاشمية مع الجانب الإسرائيلي على شراء 50 مليون متر مكعب إضافية من المياه سنويًا، وذلك خلال لقاء أيمن الصفدي، وزير الخارجية الأردني، مع يائير لبيد، وزير الخارجية الإسرائيلي، على الجانب الأردني من جسر الملك حسين، بتاريخ 8 تموز/يوليو 2021.[1] وجاء هذا اللقاء بعد أسبوع من لقاء الملك عبد الله الثاني برئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت.[2] وتأتي هذه اللقاءات بعد حالة من التوتر في العلاقات الأردنية الإسرائيلية خلال عهد رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو.

يعدّ هذا الاتفاق استكمالًا لبروتوكول تزويد المياه الملحق باتفاقية وادي عربة، الذي كان من المفترض تنفيذه منذ العام 2010، ويأتي في ظل إشكالات متصاعدة حول ملف المياه واتفاقية الغاز بين البلدين.

تناقش هذه الورقة دلالات توقيع هذا الاتفاق في ظل استمرار الخلاف السياسي الإسرائيلي - الأردني، ومساهمة الاتفاق في حل إشكالية الأمن المائي الأردني.

يبدو أن لقاء الملك عبد الله مع بينيت ساهم في كسر جمود العلاقة بين البلدين، ودفع باتجاه مزيد من التعاون بعد أكثر من عقد على التوتر، ويدلل على ذلك أن الاتفاقية الموقعة بين البلدين تناولت جوانب تجارية أخرى بالإضافة إلى موضوع المياه. كما أن الاستمرار في اتفاقية الغاز على الرغم من المعارضة الداخلية الأردنية يدفع نحو ذلك.

وفي المقابل، ينظر إلى هذا الاتفاق على أنه استمرار لما سبقه من اتفاقات تزيد من هيمنة إسرائيل، وقدرتها على التحكم في موارد الأردن الإستراتيجية واقتصاده.

المياه الأردنية

يعدّ الأردن ثاني أكثر البلدان فقرًا في مصادر المياه، إذ تبلغ موارده المائية المتجددة أقل من 100 متر مكعب للفرد، مقارنة بحصة الفرد عالميًا وإسرائيليًا البالغة 500 متر مكعب.

تتشكل مصادر المياه في الأردن من المياه الجوفية (60%)، والمياه السطحية (28%)، ومياه الصرف الصحي المعالجة (12%)، ويعد القطاع الزراعي المستهلك الرئيسي للمياه، إذ بلغت نسبة استهلاكه حوالي 53% في العام 2013، يليه القطاع المنزلي بحوالي 42%، ومن ثم القطاع الصناعي (صناعات البوتاس والفوسفات بشكل أساسي) بحوالي 5%.[3]

المياه بين الاتفاقات الموقعة والإخلال المستمر

يتشارك الأردن مع إسرائيل في مياه بحيرة طبريا ونهري اليرموك والأردن، إضافة إلى آبار جوفية. ويتشارك كل من الأردن وفلسطين وإسرائيل وسوريا ولبنان في مياه نهر الأردن، الواقع حاليًا تحت السيطرة الإسرائيلية.

ابتدأ وضوح النزاع على الموارد المائية عندما ادعت إسرائيل في خمسينيات القرن الماضي أن مصدر حصتها المائية هي منطقة "مثلث نهر اليرموك" (المنطقة الواقعة بين جنوب بحيرة طبريا وشرق نهر الأردن وشمال نهر اليرموك)، لكن قرر العرب مجتمعين، في العام 1953، أن حصة إسرائيل من نهر اليرموك لا تزيد على 17 مليون متر مكعب، وأن تأخذ باقي الحصة من بحيرة طبريا ونهر الأردن.[4] وفي نفس العام بدء تطوير "خطة جونستون"[5]، وبلغت فيها حصة كل من سوريا ولبنان 9%، وإسرائيل 26%، وباقي النسبة 55% للأردن والضفة الغربية التي كانت تابعة لها آنذاك.

وعلى الرغم من قبول الخطة من قبل اللجان الفنية للدول الواقعة على ضفاف النهر، إلا أنه لم يتم التصديق عليها، ما أدّى إلى استغلال مياه نهر الأردن بمشاريع أُحادية دون التقيّد بالتقسيم المُقترح.[6] ومع ذلك، استمّر الأردن بالتمسّك بحصته المنصوص عليها، متضمنة حصته من المياه المتدفقة من نهر اليرموك، لكنه لم يحصّل حقوقه المائية وفقا لخطة جونستون.[7]

اتفاق وادي عربة

بعد خروج بقية الأطراف من الخطة المذكورة، توّجهت الأردن إلى الاتفاق الثنائي بينها وبين إسرائيل، الذي مهّد بدوره لمعاهدة وادي عربة في العام 1994، إذ تم الاتفاق فيها على أن تزود إسرائيل الأردن بما يصل إلى 55 مليون متر مكعب سنويًا من مياه بحيرة طبريا، عبر قناة الملك عبد الله إلى عمان، مقابل سنت أميركي واحد لكل متر مكعب[8]، إلا أن إسرائيل تزوّد الأردن فقط بـ 30 مليون متر مكعب.[9] واتفق الطرفان أيضًا على الحصول على فيضان نهر اليرموك دون التطرق إلى حصة سوريا، وهي الأكبر والأكثر إشكالية.[10]

 ووفقًا للملحق 2 من اتفاقية وادي عربة، الذي يفصّل المادة 6 من نص المعاهدة، تحصل إسرائيل على 12 مليون متر مكعب من مياه نهر اليرموك في فترة الصيف، و13 مليون متر مكعب في فترة الشتاء، فيما يحصل الأردن على "باقي التدفق"؛ لكن هذا المصطلح الفضفاض أعطى المجال لإسرائيل بالاستيلاء على حصة الأردن بطرق غير مباشرة، كإنشاء ستة سدود على الأودية التي تصب في روافد نهر اليرموك وقبل نقطة المصب في نهر الأردن، مما أدّى إلى فقر منسوب الأخير عبر الزمن.[11]

ومن دلالات سياسة إسرائيل الممنهجة لفرض التبعية المائية على الأردن وتجفيف نهرها الرئيسي، عرقلة مشاريع عربية مشتركة عدّة، منها مشروع ماكدونالد في العام 1950، ومشروع بونجر في العام 1953، من خلال الضغوطات المستمرة على الإدارة الأميركية، إضافة إلى وضع شروط لإتمام مشروع سد الوحدة بين الأردن وسوريا والمطالبة بحصص منه، بينما أنشأت هي سدودًا على اليرموك من غير شروط.[12] كما عملت أيضًا على مشروع تحويل نهر الأردن من الشمال إلى النقب، ومشروع تحويل مياه البحر المتوسط المالحة إلى وادي الأردن لتوليد الطاقة الكهربائية.[13]

استغلت إسرائيل استئجارها لأراضي الغمر والباقورة من الأردن بعقد لمدة 25 سنة، إذ ركّبت مضخات ضخمة في منطقة الباقورة لسحب المياه الفائضة بالكامل من نهر اليرموك بنحو 70 مليون متر مكعب، وصبّها في طبريا، وهذه المياه من حق الأردن وفق اتفاقية وادي عربة.[14]

ومن أهم البنود التي نصّت عليها معاهدة وادي عربة أن "يعمل الطرفان لإيجاد مصادر مائية توفر للأردن 50 مليون متر مكعب إضافية"، وتوّصل الأردن مع إسرائيل لاتفاق في العام 1998 لتزويد المملكة بـ 25 مليون متر مكعب سنويًا في الصيف، و25 مليون متر مكعب مياه محلاة، إلا أن إسرائيل لا تزال تتنصل من هذا الاتفاق حتى الآن".[15]

وانبثق أيضًا اتفاق فرعي بين البلدين بموجب وادي عربة، في العام 2010، لشراء 10 مليون متر مكعب[16]، وعلى هذا الأساس وافقت حكومة تل أبيب على الطلب الأردني الأخير بالحصول على الإمدادات الإضافية اللازمة، وبسعر مرتفع (65 سنتًا للمتر المكعب)، وسيستمر بالارتفاع مع استمرار الطلب.[17]

المياه: ما الجديد؟

تصل حاجة الأردن السنوية من المياه إلى 1.3 مليار متر مكعب، وبما أن أغلب موارده محدودة لأسباب عدة، منها سحب دول الجوار المستمر للمياه الجوفية، والسحب الداخلي الجائر، وانخفاض منسوب نهر الأردن، وسوء إدارة تجميع مياه الأمطار؛ فإن تلك العوامل تدفع الأردن باتجاه مساومات اقتصادية تعمّق التبعية الجيوسياسية لإسرائيل والدول المجاورة.

يتضح ما سبق من خلال توقيع الأردن على اتفاقية استيراد الغاز الإسرائيلي رغم المعارضة الشعبية القوية، واضطراب العلاقات الثنائية بين الأردن وإسرائيل خلال فترة نتنياهو، الذي رفض باستمرار إمداد الأردن بالمياه، وعرقلة زيارة ولي العهد للأراضي المقدّسة.

يأتي كل ما سبق في سياق سياسي تتكرر فيه انتهاكات إسرائيلية لاتفاق وادي عربة والبروتوكولات التي تليه؛ من خلال سحبها فائض مياه اليرموك، وإقامة سدود لا شرعية، ومشاريع تحويل مائي تؤدي جميعها إلى تجفيف نهر الأردن.

يمكن الاستنتاج من خلال تتبّع النهج الإسرائيلي بمؤسساته السياسية عبر الزمن، أن هذه الخطوة تأتي ضمن إطار إعادة ضبط العلاقة على مستوى سياسي أكثر منها لتعزيز التعاون الاقتصادي الحقيقي، إذ لا يوجد أي حديث رسمي من الجانبين عن مراجعة أو استرداد الحقوق الأردنية المنصوص عليها في الاتفاق، أو التطرّق إلى المشاريع الإسرائيلية القائمة التي تؤثر على التوزيع البيئي الطبيعي للموارد.

وتظهر تصريحات رسمية من الجانبين تدعم هذه الخطوة، وتعتبرها بمنزلة تحريك للعلاقات الراكدة لكن بغلاف تجاري؛ مثل تصريح كارين الحرار، وزيرة الطاقة الإسرائيلية، "وقعنا بروتوكولًا لزيادة كمية المياه التي نزود بها الأردن، وهذا إعلان لا لبس فيه بأننا نريد علاقات حسن جوار"[18]، وكذلك تصريح لبيد حول أن الأردن جار وحليف مهم لإسرائيل، وأن "الحوار الدائم بين البلدين سيستمر لتعزيز الروابط الثنائية".[19]

ولعل أوضحهم إثباتًا للفرضية ما صرحت به صحيفة "جيروزاليم بوست" حول لقاء الملك وبينيت بالقول "يجب على البلدين رأب الصدع، واتخاذ خطوة في هذا الاتجاه، وأن تطرق إلى صفقة مياه".[20]

أما على الصعيد الأردني، فقال الملك عبد الله خلال مقابلة مع شبكة سي إن إن: "خرجت من تلك الاجتماعات (لقاءي بينيت وغانتس) وأنا أشعر بالتشجيع الشديد، وأعتقد أننا رأينا في الأسبوعين الماضيين، ليس فقط تفاهمًا أفضل بين إسرائيل والأردن، ولكن الأصوات القادمة من كل من إسرائيل وفلسطين تشير إلى أننا بحاجة إلى المضي قدمًا".[21]

خاتمة

أثبت التاريخ السياسي أن إسرائيل ليست جديرة بالثقة، خصوصًا على مستوى الالتزام بالاتفاقات الموقعة؛ إذ لا تكتفي بخرق معظم بنود الملحق الثاني من وادي عربة واستغلال غير واضح منه لمصالحها فحسب، بل توّظف حاجات الأردن الماسّة لبيعها موارد هي بالأصل من حقها الطبيعي ومنصوص عليها؛ وهو ما يثير التساؤل حول فرص التوجه إلى القانون الدولي لاسترداد حقوقها بديلًا من الحلول المطروحة، وآخرها عملية الشراء.

لكن الأسوأ، أن إسرائيل تسوّق هذا التلاعب إعلاميًا كمبادرات ديبلوماسية لتحسين علاقات الجوار والاستقرار في المنطقة، هذا بالطبع من غير تأويل الممارسات اليومية الممنهجة لتلويث الموارد المائية الأردنية، مثل رمي مخلفات مزارع الأسماك الإسرائيلية في نهر الأردن وغيرها.[22]