قمع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية للطلاب الفلسطينيين خلال هبة القدس

مواجهات الخليل.jpg

قمع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية للطلاب الفلسطينيين خلال هبة القدس
غزة / المشرق نيوز
تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

مقدمة

أظهرت المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية أساليب قمع متعددة ضد الطلبة الفلسطينيين خلال هبة القدس أيار/مايو 2021، وبعدها، خاصة في ضوء بيئة التعليم الإلكتروني بسبب جائحة كورونا؛ ففي بعض الجامعات والكليات تعرّض الطلبة للعنف الجسدي والنفسي، والاعتقال من الشرطة الإسرائيلية كما حدث في جامعة "بن غوريون" في بئر السبع، يوم 11 أيار/مايو[1]، فيما تعرض البعض للفصل التعسفي كما حصل في كلية "أشكلون" الواقعة في مدينة تحمل نفس الاسم، يوم 7 أيار/مايو.[2]

جاء قمع الطلاب كجزء من حالة تمارسها المنظومة الإسرائيلية على الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، بهدف تثبيت هيمنة اليهود الإسرائيليين على الأرض. وفي هذا السياق، أدان تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" الصادر في العام 2021، إسرائيل بجريمتي الفصل العنصري والاضطهاد.[3]

لم تكن هذه الأحداث هي الوحيدة التي مر بها الطلبة الفلسطينيون خلال هذه الهبة، فجذور القمع للطلبة في المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية عميقة، ما يطرح تساؤلات حول سياسات القمع الإسرائيلية بشكل عام ضد الطلبة الفلسطينيين خلال جولات التصعيد، وتحديدًا المنظومات الأكاديمية وأذرعها، على الرغم من وجود قوانين تحفظ الحقوق في دساتير هذه المؤسسات، وقانون الطالب الذي سن في الكنيست الإسرائيلي في العام 2006 حول أحقية التنظيم.

واقع الطلبة الفلسطينيين

بلغ عدد الطلبة الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية، في العام 2018، حوالي 51 ألفًا، ويشكلون خُمس عدد الطلاب، وهي النسبة التي تتشابه إلى حد كبير مع نسبة المواطنين العرب في إسرائيل.[4]

يتعرض الطلبة لاعتداءات متعددة بشكل يومي، تتزايد وتيرتها عند تصاعد الأحداث، سواء في الداخل أو القدس أو الضفة الغربية أو قطاع غزة. فالتعليم الأكاديمي في إسرائيل تجسيد للرواية الصهيونية التي تلغي الوجود الأصلاني للعرب بشكل عام، وتحديدًا عند ذكر أي حقوق سياسية لهم.     

تقع اشتباكات بين الطلبة الفلسطينيين وكافة الأطراف المدنية والأمنية الإسرائيلية، من خلال حلقة الوصل (الجامعات)، لا سيما أن الحرم الأكاديمي يتواجد - عادة -  في مُدن إسرائيلية، بحراسة شركات أمنية خاصة موجهة من إدارة المؤسسات الأكاديمية. وهناك عوامل أخرى تجعل الطالب عرضة لواقع دراسي معقد نتيجة أنواع متعددة من العنف التي يتعرض لها، ويمكن تقسيمها إلى نوعين رئيسيين: عنف يومي، واعتداءات في ضوء التصعيد.

العنف ضد الطلبة الفلسطينيين

يشق الطالب الفلسطيني في الداخل طريقه للتعليم والدراسة في المؤسسات الأكاديمية بالرغم من العقبات التي تواجهه في مسيرته التعليمية: اختلاف اللغة، المواصلات، السكن في بيئة مختلفة، امتحانات القبول المترجمة، مقابلات بلغة ثانية، عدم جهوزية المنهاج لتهيئة الطالب للمرحلة الأكاديمية، وعوامل عديدة ترافق الطالب في حياته اليومية. 

ويضاف إلى ذلك بيئة التعليم العنصرية، فالطالب فلسطيني الذي يلتحق بالمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، يتصادم بالسردية التاريخية، واستغلال القوانين لتثبيت الفوقية اليهودية، وإنكار الحقوق الفلسطينية، والجرائم الإسرائيلية.[5]

وتزيد كل أنواع العنف الذي يتعرض لها الطالب بشكل يومي من حدة توتر الطلبة في حياته الدراسية، التي تتزايد مع كل تصعيد للأحداث، إذ ترفع المؤسسة من وتيرة العنف والقمع ضد الطلبة الفلسطينيين.

الاعتداءات على الطلبة الفلسطينيين في ضوء التصعيد

تتزايد الاعتداءات الإسرائيلية ضد الطلبة الفلسطينيين في ظل تصاعد الأحداث بفعل انخراطهم في قضاياهم الوطنية من خلال التضامن والاحتجاج؛ ففي عدوان 2008 على قطاع غزة دعت اللجان الطلابية إلى الإضراب العام والتظاهر داخل الحرم الجامعي تنديدًا بالعدوان، وقوبلت هذه التظاهرات بقمع مزدوج، إداري ومجتمعي، إذ استعانت المؤسسات الأكاديمية بالشركات الأمنية الخاصة والشرطة لفض التظاهرات.[6]

وفي ذات السياق، استخدمت جامعة حيفا العنف المفرط لفض تظاهرات الطلبة العرب، إذ اعتُقِل 11 طالبًا، ورافق العنف اعتداءات جسدية وكلامية، إضافة إلى اعتداءات الشرطة ما بعد الاعتقال. وبعد تحرير الطلبة لعدم نجاح النيابة العامة بإثبات أي تهمة جنائية بحقهم، دعت الجامعة خمسة منهم للجان طاعة (لجان تأديبية لمخالفي دستور الجامعة)، وفصلوا بالاعتماد على قوانين فضفاضة يسهل استغلالها بصور متعددة. ولم تكن هذه الحادثة هي الوحيدة، فقد تكررت بصور مختلفة لنفس السياسات في جامعات "العبرية" و"بئر السبع" و"تل أبيب".[7]

على الرغم من الاعتداءات التي يتعرض لها الطلبة الفلسطينيون، إلا أنهم خرجوا مجددًا ردًا على مخطط "برافر" في العام 2013، الهادف إلى اقتلاع بدو النقب من أرضهم، وتركيزهم في تجمعات سكانية[8]، وهو العام الذي شهد آخر لجنة طلاب عرب في الجامعات، التي كانت في جامعة "حيفا"، إذ لم يتم تجديد انتخاب اللجنة نتيجة الخلافات الجوهرية بين الأحزاب العربية حول ركائز اللجنة ودستورها، فضلًا عن الاعتقالات والملاحقات السياسية لأعضائها.[9]

إضافة إلى الاعتداءات الأكاديمية والشرطية على الطلبة العرب، ارتفعت وتيرة عنف جديد ضدهم من قبل الطلبة الإسرائيليين، وقد ظهرت بشكل جلي خلال عدوان 2014، على سبيل المثال تعرض الطالب مراد أبو الهيجا، في معهد التخنيون، لحملة تحريض من المئات من زملاء الدراسة الإسرائيليين، بعد مشاركته منشورًا على صفحته الشخصية على "فيسبوك" عن حادثة خطف الجنود الثلاثة في ذات العام، وفي الوقت الذي يجب على الشرطة محاسبة المحرضين، تم التحقيق معه بسبب المنشور.[10]

وتزايدت وتيرة الاعتداءات على الطلاب لاحقًا، فتم الاعتداء على طلاب خلال فعالية "سير وصيرورة" التي تهدف إلى إحياء الحياة الثقافية في القدس في العام 2017، إذ لم يوفر الأمن حماية للطلبة الفلسطينيين، ولم تقدم بحق المعتدين الإسرائيليين أي مذكرة لجنة طاعة على الرغم من توثيق الحالة أمام عدسة الكاميرا.[11] وكل تلك الاعتداءات تكررت في سياقات مختلفة في كل مرة أَسمَعَ الطلبة صوتهم.

الجولة الأخيرة … هبة القدس

أدت سياسة التهجير القسري في حي الشيخ جراح بالقدس، والاقتحامات المتتالية للمسجد الأقصى، مطلع أيار/مايو 2021، إلى "اشتعال" هبة القدس، التي امتدت إلى كل المناطق الفلسطينية، بما فيها الأراضي المحتلة العام 1984. ومع تصاعد العدوان العسكري ضد غزة ازادت حدة التوتر ضد المؤسسة الحاكمة، ما دفع الطلبة العرب إلى المشاركة في الحراك والتظاهر ضد السياسات الإسرائيلية في كافة المؤسسات الأكاديمية، رغم سياسة القمع المستمرة ضدهم.

العنف ضد الطلبة في بيئة التعليم الإلكتروني

رفع الطلبة العرب صوتهم المناهض للاعتداءات الإسرائيلية، في الشارع الإسرائيلي، وضمن بيئة التعليم الإلكتروني خلال الأزمة الوبائية التي أدت إلى ظهور شكل اتصال وتواصل جديد مع الإسرائيليين، لكن المؤسسات الأكاديمية قمعتهم، ولاءمت سياساتها القمعية مع ظروف الحالة الوبائية. 

تزايدت حالة العنف ضد الطلبة الفلسطينيين في هبة القدس، واشتركوا في الإضراب العام، يوم 18 أيار/مايو، بصور مختلفة، كلٌ حسب قدرته، عبر الاحتجاجات الإلكترونية، والتغيّب عن المحاضرات، ورفع الصوت الفلسطيني عند حضورها، والتظاهر أمام إدارة الجامعات.[12]

شكلت بيئة التعليم الإلكتروني ساحة اشتباك جديدة للطلبة العرب، عبر تطبيقات المراسلة التعليمية، وبرنامج زووم (Zoom)، التي وفرت مساحات شخصية يعبر فيها الطُلاب عن تضامنهم مع القضية، واحتجاجهم على السياسات الإسرائيلية، واستخدموا تلك المنصات لنشر فكرة الإضراب العام، وأهمية إنجاحه.

ومن لم يستطع التغيّب بفعل قمع المؤسسات الأكاديمية، وتهديد المحاضرين، بالمعاقبة من خلال تنقيص العلامات، ومنع الدخول إلى الامتحانات، لجأ إلى بدائل أخرى، مثل تغيير "خلفية الحسابات برنامج زووم إلى اللون الأحمر"، وتغيير أسمائهم إلى وسم "#انقذوا الشيخ جراح". في المقابل، رد الإسرائيليون بتغيير الخلفيات إلى العلم الإسرائيلي والتضييق على علو الصوت المناهض للعدوان.[13]

ومن مظاهر العنف ضد الطلبة الفصل، إذ قامت كلية "أشكلون" بفصل طالبتين فلسطينيتين بعد مشاحنة كلامية في مجموعات "واتساب" لطلاب الدفعة، وبدأت المشاحنة بمشاركة زميلات دراسة إسرائيليات محتوى من صفحة خاصة لطالبة فلسطينية على المجموعة الرسمية للدفعة تعبر فيها عن رفضها للحرب والقمع، وتفاقم الحديث في المجموعة بعد انضمام طالبة فلسطينية دفاعًا عن زميلتها. وتلقت الطالبتان بعدها تهديدات من طلبة إسرائيليين، وبدلًا من توفير الحماية لهما، دعهتما إدارة الكلية إلى لجنة طاعة وفصلتهما.[14]

وفي حادثة مماثلة، فصلت كلية "نوف هجليل" طالبة أخرى، لأنها شغلت أغنية تحمل طابعًا وطنيًا في الاستراحة ما بين المحاضرات.[15]

أدى اختلاف بيئة التعليم في المؤسسات الأكاديمية بين الكليات والجامعات إلى اختلاف أساليب القمع، كما أدى دخول الطلبة الإسرائيليين على المساحة الافتراضية التي يعبر فيها الطلبة عن ذواتهم، إلى مفاقمة القمع، ودخول جوانب أخرى لم تكن موجودة في السابق.

العنف ضد الطلبة في بيئة التعليم الوجاهي

تجسّد عنف المؤسسات الأكاديمية الواقع على الطلبة الفلسطينيين، بعد قرار العودة إلى التعليم الوجاهي، بأشكال عديدة خلال التصعيد، إضافة إلى انتهاج الصمت ضد قمع الطلبة الإسرائيليين للطلبة الفلسطينيين، فضلًا عن اعتقال المؤسسة الأمنية لعدد من الطلاب،  وتمديد الاعتقال بلا مسوغات قانونية، إذ فضّت الشرطة بأسلوب عنيف تظاهرة لطلاب فلسطينيين في الجامعة "العبرية" بالقدس، في  أيار/مايو 2021، تنديدًا بترويع المستوطنين للمواطنين الفلسطينيين.[16]

أما الطلبة القاطنون في مساكن الطلبة فتعرضوا إلى قمع أكبر، فمثلًا اعتدى إسرائيليون على طلاب الطب بمعهد "التخنيون"، ولم يوفر المعهد أي حماية لهم، على الرغم من القوانين التي تنص على ذلك. ويضاف إلى ذلك تجاهل إدارة المؤسسات الأكاديمية شكاوى الطلبة العرب ضد الطلبة الإسرائيليين، الذين يهددونهم من خلال تطبيقات المراسلة التعليمية، مما يدل على مشاركة الأمن والإدارة في قمع الطلبة، الأمر الذي زاد من حجم تلك الاعتداءات.[17]

وتزايد العنف ضد الطلبة الفلسطينيين، حتى وصل إلى إطلاق النار من قبل شركات الأمن لإرعاب الطلاب في تظاهرة جامعة "بن غوريون"، يوم 11 أيار/مايو، والسماح بدخول مواطنين عاديين إلى مساكن الطلبة العرب لقمعهم.[18]

أضعف انقسام الطلبة غير الطوعي بين التعليم الوجاهي والإلكتروني، تنظيم الحراكات والتظاهرات ضد السياسات الإسرائيلية، وتشكيل صوت واحد أمام المؤسسة الحاكمة وأذرعها وجاهيًا. أما في بيئة التعليم الإلكتروني فتوزع حراك الطلبة على منصات متعددة.

خاتمة

دفع تحرك فلسطينيي الداخل في معظم المدن الفلسطينية، خلال هبة القدس، مؤسسات إسرائيل، بما فيها المؤسسات الأكاديمية، إلى رفع وتيرة العنف ضد أي تحرك للطلبة العرب، مع تغافل اعتداءات الطلبة الإسرائيليين، وتطبيق قوانين فضفاضة تنال من الطلبة الفلسطينيين.

أخذ قمع الطلبة الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية أشكالًا عدة في ضوء تغيرات بيئة التعليم مع انتشار وباء كورونا، وفي ظل غياب إطار طلابي عربي يدافع عن الطلبة، حيث وصل القمع إلى حد إطلاق النار لتفريق الطلبة، والاعتقال، واقتحام المساكن، وهنا تبرز الحاجة إلى تشكيل إطار طلابي عربي يدافع عن الطلبة يضم ممثلين عنهم في كل الكليات.