حول زيارتي إلى غزة العزة بقلم: هاني المصري

هاني المصري.jpg

حول زيارتي إلى غزة العزة
بقلم: هاني المصري

 
أنهيت زيارة إلى غزة في سياق عمل مركز مسارات، وجاءت بعد غياب حوالي سنتين، وتكمن أهميتها في أنها جرت بعد انتفاضة الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، التي استخدمت مختلف أشكال العمل السياسي والمقاومة وفقًا للظروف الخاصة بكل تجمع، وكانت معركة سيف القدس في صدارتها.
كانت الرحلة إلى غزة طويلة ومتعبة لأنها تمت عن طريق معبر رفح، وهذا يعني لمن لا يعرف بأن مسار الرحلة كان عبر الحدود إلى عمّان، ثم إلى القاهرة، وصولًا إلى رفح وغزة، وبالعكس، واستغرقت الرحلة من القاهرة إلى رفح وبالعكس حوالي 15 ساعة في كل مرة. وغزة العزة تستحق المعاناة التي لا تقارن بما يعانيه أهلها. فمعرفة سر الصمود والمقاومة وعشق الحياة والإبداع لشعبنا في غزة - رغم الحصار والعدوان - والتواصل مع الأصدقاء والزملاء؛ لا تقدر بوقت ولا ثمن.
 وجدت أن معظم الناس في القطاع – رغم الألم - يشعرون بالعزة والكرامة، ويقدّرون الصمود والمقاومة أكثر مما كان يحدث في السابق، فلأول مرة تبادر المقاومة إلى إطلاق الصواريخ ولا تدافع عن نفسها في وجه عدوان إسرائيلي، وبدأت بإطلاق الصواريخ إلى القدس وتل أبيب، وكانت أوسع مدى وأكثر عددًا ودقة وتدميرًا، ما أدى الى التوصل إلى وقف إطلاق النار بشكل متزامن ومن دون شروط.
وما ميز هذه الحرب أن قوى المقاومة استفادت من دروس المعارك السابقة، خصوصًا معركة 2014 التي طالت أكثر مما ينبغي، نتيجة تقديرات وحسابات خاطئة، إذ أبدت المقاومة هذه المرة استعدادًا لوقف إطلاق النار بعد أن أرسلت رسالتها القوية والمدوية، "إن عدتم عدنا"، فالهدف ليس الحرب من أجل الحرب، كما أن معاناة شعبنا تؤخذ بالحسبان بشدة.
وما زاد شعور الناس بالعزة والكرامة: أولًا، أن الصواريخ كانت وطنية بامتياز، وانطلقت من أجل القدس والأقصى والشيخ جراح، وليس من أجل تخفيف الحصار عن قطاع غزة ولا دفاعًا أو تحقيقًا لمطالب سلطة الأمر الواقع . وثانيًا، أن غزة لم تكن وحدها، ولم يتضامن معها الشعب الفلسطيني، بل كان في جميع أماكن تواجده منتفضًا قبلها ومعها ومن أجلها، إذ عادت القضية الفلسطينية جراء انتفاضة عودة الوعي ووحدة الشعب إلى صدارة الأحداث والاهتمام الدولي، لتثبت أنها جوهر الصراع، بعدما أرادوا أن يطويها النسيان، وصوّروا أنهم نجحوا في ذلك، خصوصًا بعد موجة التطبيع بين بعض البلدان العربية ودولة الاحتلال.
سألت ممن التقيتهم: ما ميز هذه الحرب عن سابقاتها؟ فأجابوا إضافة إلى ما سبق حول قدرات المقاومة التي تحسنت بشكل كبير وملموس رغم الحصار والعدوان، لدرجة أن الصواريخ استمرت بالانطلاق، وبزخم، حتى اللحظة الأخيرة، وأن العدوان كان أخطر ووحشيًا ومركزًا أكثر من السابق، واستخدم أسلحة أكثر حداثة وتدميرًا، إذ قصفت طائرات الاحتلال ودباباته في أيام العدوان القصيرة 11 يومًا أكثر مما أطلقت في العدوان السابق الذي استمر لمدة 51 يومًا.
ولوحظ من الجميع، والعدو قبل الصديق، أن قدرات المقاومة تحسنت بشكل كبير وملموس رغم الحصار والعدوان، وأنها ستؤخذ بالحسبان سلمًا أو حربًا.
ومن الأشياء التي رأيتها وسمعت عنها الدمار الكبير الذي لحق بالشوارع جراء استهداف مترو الأنفاق، حيث كانت هدفًا مركزيًا للاحتلال، إلى أنه حاليًا تم إعمارها وترميمها إلى حد كبير.
ما سبق لا يعني أن الوضع جيد في القطاع في كل النواحي، بل سيئ، فهناك حصار خانق وأطول سجن في التاريخ ومخطط ينفذ يشترك فيه الاحتلال، مع أطراف محلية وعربية ودولية، يرمي إلى عدم تمكين الشعب الفلسطيني ومقاومته من استثمار ما حدث بتحقيق إنجازات سياسية ملموسة، بل على العكس، هناك جهود حثيثة لتصفير النتائج، وإعادة الأمور إلى الوراء لدفع الناس إلى الكفر بالمقاومة، حتى تكون عودة الأمور لما كانت عليه قبل العدوان هي سدرة المنتهى وغاية الغايات.
يتجلى ذلك بوجود إصرار إسرائيلي على عودة الأمور في القدس كما كانت عليه، حيث عادت الاقتحامات للأقصى بوتيرة متزايدة، ونفذت مسيرة الأعلام، وإن بشكل مختلف، كما أن المخططات نحو تهجير عائلات الشيخ جراح وسلوان وغيرهما مستمرة، إضافة إلى وجود محاولة تطويع شاملة لشعبنا في الداخل، لأن انتفاضته كانت من أهم وأخطر ما حدث، ما يوجب وضع خطة شاملة مضادة تشمل مختلف أبعاد القضية، ومختلف تجمعات الشعب، مع مراعاة ما يجمعها وما يميزها.
ويبرز خلاف حول آلية إعادة الإعمار والتعويضات، وهل تكون من خلال السلطة أو هيئة وطنية تشارك أو لا تشارك فيها السلطة، ما يعطل إعادة الإعمار. فمن غير المنطقي أن ترعى سلطة غير موجودة في القطاع الإعمار، والحل ليس في القفز عنها، بل في الإسراع من مختلف الأطراف في إنجاز وحدة حقيقية ضمن مكونات النظام السياسي، ويتشكل من ضمنها وعلى أساسها حكومة وحدة وطنية.
كما أن الأموال القطرية لم تصل حتى الآن، وهناك خلاف حول كيفية إيصالها عبر قطر أو الأمم المتحدة، والأهم، من خلال مساعدات عينية (كوبونات) أو نقدًا، إضافة إلى تقليص مساحة الصيد وتقليل أنواع وكميات المواد التي تصل، وساعات وصول الكهرباء، وارتفاع أسعار الحديد والإسمنت ... إلخ، ما يؤثر بشدة على البناء، وعلى أوجه الحياة المختلفة.
وفي هذا السياق، عادت المقاومة ردًا على التعنت الإسرائيلي إلى البالونات الحارقة، وتستعد لاحتمال استئناف المعركة، مع أن هذا القرار ليس سهلًا ويجب التفكير به مليًا. أما حكومة نفتالي بينيت فتهدد بأنها لن تقبل بعودة المعادلة القديمة، وتحاول فرض قواعد جديدة، من أهمها عدم الربط بين غزة والقدس وبقية القضايا الوطنية، والربط بين إعادة الإعمار وعودة الأموال القطرية بإتمام عملية تبادل الأسرى، وهذا وذاك، ترفضه المقاومة، لأن الفصل بين غزة والقضايا الوطنية، والربط بين الأسرى والإعمار، يعنيان حصارًا أبديًا للقطاع، مع العمل ضمن سقف تحسينه، إلا إذا تمت الموافقة على تهدئة طويلة الأمد ضمن حل متكامل خاص بالقطاع من أجل تأبيد فصله، وتأجيل مفتوح للتبادل، كون المفاوضات حول تبادل الأسرى قد تطول، لأن حكومة بينيت لن تتحمل، ولن تصمد وتستمر إذا أقدمت على إطلاق سراح أعداد كبيرة من الأسرى من ذوي الأحكام العالية، ومن القادة أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات، لا سيما قبل إقرار الموازنة، وقبل اشتداد عود الحكومة الجديدة في ظل معارضة قوية وفاعلة بزعامة بنيامين نتنياهو.
لا شك أن سقف التوقعات الآن في غزة وعند الفلسطينيين جميعًا قد انخفض عن أيام الحرب وما بعدها، وساهمت في ذلك المبالغة الشديدة بالانتصار الذي تحقق، وبقدرات المقاومة، وتصوير أن زوال إسرائيل بات قريبًا، وأن إنهاء الاحتلال لأراضي الضفة والقطاع يمكن أن يتم خلال فترة قصيرة، وعدم التمييز بين تلك الانتصارات التي ستأتي في وقتها عندما تنضج شروط تحقيقها، أي التي تعني تحرير الأرض، وحق العودة، والمساواة، على طريق الحل الجذري؛ أو تحرير أجزاء منها، مثل استكمال تحرير غزة من خلال رفع الحصار، ووقف الاستعمار الاستيطاني في الضفة، ووقف الاعتداءات والتقسيمين الزماني والمكاني للأقصى والتهجير والتهويد في القدس، والمخططات التي على الطريق.
وبين الانتصار الذي يحققه الضعيف لكونه بقي صامدًا ومقاتلًا ولم يهزم رغم الاختلال الفادح في ميزان القوى، وأوقع الخسائر في صفوف الاحتلال؛ وهذا سيدفعه حتمًا رغم المكابرة عاجلًا أم آجلًا إلى إعادة حساباته، بحيث يعرف أن هناك نوعًا من الردع قد تحقق "أبراج مقابل تل أبيب والقدس"، وأن الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين لن تكون نزهة سهلة بعد اليوم، فقد انتهى عهد أن الحكومة الإسرائيلية تقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنهيها إلى غير رجعة، وكذلك لن تبقى الحرب بعيدة عن الجبهة الداخلية للاحتلال.
إن ما حدث في معركة القدس في كل ميادينها وأشكال المقاومة المستخدمة فيها أمر عظيم يستدعي الفخر به، والبناء عليه، من دون زيادة ولا نقصان، في ظل إدراك أن ما حدث معركة مجيدة جديدة في حرب طويلة، وأن النصر الحاسم فيها ليس قريبًا، ومع ذلك فإن صمود الفلسطينيين في بعض هذه المعارك، وانتصارهم في أخرى، وتكبيد الاحتلال خسائر؛ يساهم في إبقاء القضية حية، وفي تمسك الفلسطيني بقضيته وبقائه على أرض وطنه.
أما الإصرار على إعادة إنتاج الأوهام والانتظار والرهان على الآخرين والتقليل من أهمية المقاومة وعدم الاستثمار فيها بالمرة، أو الاستثمار السريع أو المتسرّع، فسيؤدي إذا اعتمد كسياسة فلسطينية رسمية إلى إضاعة ما تقدم وتحقق، وتقديم التنازلات والشعور بالإحباط، ولنا في التجارب السابقة عبرة.
وفي هذا السياق، فإن أي استثمار جوهري يحقق انتصارات ملموسة بحاجة إلى وحدة وطنية، ومؤسسة جامعة، وقيادة واحدة، وإجماع وطني يستند إلى القواسم المشتركة، على أساس رؤية وإستراتيجية فاعلة وإرادة صلبة، وإلى وضع إقليمي ودولي ملائم.
إن إنكار طرف للتغيّرات التي أوجدتها وعمقتها معركة القدس، بحيث يريد إبقاء الأمور كما هي من دون أي تغيير، وإعادة تقديم الحلول التي قدمت سابقًا حول التوصل إلى حل للصراع أو لإنجاز الوحدة الوطنية، ومبالغة طرف بهذه المتغيرات، لدرجة تصوّر أن زمن أول حوّل، وأن هناك إمكانية فورية لإجراء تغييرات نوعية بالقيادة والمؤسسة، وتصوير بأن معركة سيف القدس مثل معركة الكرامة التي فتحت المجال لقيادة فصائل الثورة، وخصوصًا حركة فتح لقيادة منظمة التحرير، لا يحقق الوحدة، بل يعمق الانقسام أكثر. فالوضع الحالي يختلف كثيرًا عن السابق عند حدوث معركة الكرامة، رغم بعض التشابه، فلا المنظمة كما كانت سابقًا، ولا "حماس" مثل "فتح"، ولم يكن هناك انقسام أفقي وعمودي مرشح للتواصل والتعمق، ولم تكن هناك سلطتان متنازعتان لكل منهما مصادر قوة، وتستند إلى بنية متكاملة تجعلها قوية وليس من السهولة إزاحتها كما يتصور البعض، أما الوضعين الإقليمي والدولي فليسا مناسبين مثلما كان الأمر بعد معركة الكرامة.
أما ونصف الكأس الملآن فهو أنني لمست خلال الزيارة إلى غزة، كما اتضح مما يجري في الضفة بعد جريمة قتل نزار بنات، أن الإرادة على الصمود كبيرة والمقاومة مستمرة والثقة بالذات أكبر، والتوقعات العالية أو إنكار كل ما يجري بدأ يتغير وتحل محله نظرة واقعية، لأن استمراره يهدد الجميع بالخسارة، ما قد يفتح الباب لحوار وطني آخر نأمل أن يؤدي إلى اتفاق متوازن يستفيد من فشل الحوارات والاتفاقات السابقة، على طريق إنجاز الوحدة. وسنعمل على أن يستند ويأخذ بحل الرزمة الشاملة، فهو الحل المبني على المبادئ والمصالح وتوازن القوى. رزمة تستند إلى معادلة لا غالب ولا مغلوب، وتُطبّق بالتوازي والتزامن، وتبدأ بالاتفاق على البرنامج الوطني الذي يحدد القواسم المشتركة وأسس الشراكة.
ندرك تمامًا، ولا حاجة لنا لمن يذكرنا بأن الوحدة صعبة وصعبة جدًا، في ظل كون الاحتلال لاعبًا رئيسًا يريد بث الفتنة والفرقة بيننا، ومع عوامل التباعد الإقليمية والدولية، والأهم بسبب الانقسام الداخلي وجماعات المصالح، ولكن من دون الوحدة لا يمكن الانتصار، ولا استثمار عوامل القوة والصمود والمقاومة التي تستند إلى عدالة القضية الفلسطينية، وتفوقها الأخلاقي، ووجود شعب يرفع لواءها، وهو مصمم على النضال من أجلها مهما طال الزمن وغلت التضحيات.