حوار مع الشاعرة هند جودة حول تجربها الإبداعية

غزة / المشرق نيوز

عندما تتعانق جذلى المعاني في حرف المبنى حينها تكون الصورة كضفاف الشتاء في صورة سريالية الرؤيا والرؤى ينسج من لذة المذاق الحسي نكهة بطعم الذي يرتدي هدوء الهناك ثم الكشف عن سبيل القدرة على اصطياد اروع صور الفراشات المحلقة فوق اغصان الاتساع  لذلك كان للاسم خصوصية في تفسير الحالة الابداعية  هنا معنى الحرف شاعرتنا هند  الموهبة  المصحوبة برسالة انسانية.

حوار مع الشاعرة المبدعة : هند جودة ، أجراه :  عضو اتحاد الكتاب الفلسطينين ، الشاعر : سامي أبو عون.

كيف تم الكشف عن الجوهرة المخبوءة في مداك؟

كان تعلم القراءة في سن صغيرة هو التميز الذي حظيت به طفولتي،  قامت أمي بتعليمي الحروف قبل دخول الصف الأول بقليل فكان اكتشاف قصص الأطفال التي كانت تحضرها لي بشكل مستمر ثم جاء الانفتاح على عالم الكتب تدريجياً عبر مكتبة والدي الكبيرة، إذن بوجود الكتب كأمر طبيعي ومحبب بالإضافة إلى والدي الذي كان أستاذا لللغة العربية وكان يكتب يومياته ويصادق الشعراء وينشط في عوالم تعتني بالفنون والآداب، تمتليء مكتبته بالروايات الفلسطينية والعربية والعالمية المترجمة وبمجموعات القصص والشعر والمجلات الأدبية والثقافية، كما كان يهتم بتعليق لوحات عالمية شهيرة على جدران بيتنا ،نستطيع القول بأن كل تلك الأجواء وتحديدا كل تلك  الكتب التي عبرت إليها في سن صغيرة عبرت إليّ وعبرت بي إلى مناطق أكثر اتساعاً داخل عالمي الصغير الذي بدأ يكبر بالمعرفة والوعي، كما أنني وعلى التوازي مع كل ذلك كنت أعيش عالم الصغار بكل ما فيه من متعة اللعب وصحبة الجدة  في دفئها وقصصها الليلية، في متعة الاكتشاف ومصاحبة الكبار والصغار في توليفة غنية بكل ما يمكن أن يملأ عقل وقلب طفلة صغيرة تتفتّح في مخيم تشبعه روائح الطبخ الفلسطيني العريق وأنواع الزهور التي كانت مغروسة في حديقة بيت جدّي الكبير ولم يخلُ الأمر مما يعكّر الصفو فقد كان هناك في صدارة المشهد أيضاً روائح الغاز المسيل للدموع وأصوات الركض التي كنت أسمعها في الأزقة الضيقة حول البيت هربا من اعتقال محتمل وكانت اللغة الغريبة  حاضرة في يومياتي لترسّخ وجود الاحتلال القاسي في وعيي ، تلك الأصوات التي أذكرها تنطق أحيانا بلغة عربية مشوهة تطالب بفتح باب البيت في أوقات لا تحترم مواعيد أي شيء، لم يكونوا ضيوفا على كل حال، لقد كان احتلالا قاسيا وشريرا وجاهزا لاعتقال الشباب وضرب الشيوخ وإهانة النساء وتتمدّد وحشيته فوق  كل ذلك فتهدم البيوت وتمنع التجول، ظلّت تلك المشاهد في ذاكرتي حتى دخول العام الذي استبدلت فيه الجيبات العسكرية المحصنة بسيارات الشرطة الفلسطينية الزرقاء في مطلع التسعينات وبدأت أعيش عصراً جديدا من الوجود الفلسطيني والحكم الفلسطيني وبدأنا نغني السلام الوطني ونرفع العلم للتحيّة كل صباح .

اقرأ أيضاً

من هم الشعراء الذين تأثرت بهم وأخذوا بيك الى عالم الابداع والكشف ؟

عرفت الشاعر الراحل عمر خليل عمر في سن صغيرة بحكم صداقته لوالدي وكان من أول الناس الذين تجرأت وأرسلت لهم محاولاتي الأولى في الكتابة، وقد كانت ردّة فعله بالنسبة لي لا تنسى فقد أشاد بروح النص وإن كان ما زال في ذلك الوقت في عمر الرابعة عشرة بحاجة للكثير كي يسمى قصيدة، لكنه ترك أثرا جميلا داخل نفسي وعزّز ثقتي بما ينساب من روحي على الورق.

تتابع اكتشافي للأدب وعرفت أن الشعر يتّخذُ أشكالاً وأنماطاً عديدة وأن ما نتعلمه في المدرسة ليس هو الشعر فقط إنما هناك مدارس أخرى وآفاق أكثر رحابة كنت أخوض فيها وأحمل آثارها في عقلي وروحي.

وبدأت أعرف أنني أحتاج إلى الكتابة ربما بفعل الاعتياد، ربما لأنها تشعرني بنوع خاصّ من السعادة ومشاعر أخرى لا تفسّر،لا أعرف كيف يمكنني وصفها، ربما أنني لم أحاول أيضاً، يكفيني أنني ما زلت أعرف أنها موجودة داخلي لتهبني ذلك الركض اللذيذ داخل  اللغة التي تتشابك مع نفسي داخل حدائق روحي، تلك الكتابة التي لا تستأذنني ولا أستأذنها بل تناديني من الداخل فأندمج معها في نسج المعنى أو الشعور ، خيوط من التوهج تحيط بي ، تلفني مثل شرنقة واخرج منها مثل فراشة تطير في ما لا تعرف له اسماً لكنه اتساع هائل يذيب النفس ثمّ يعيد تشكيلها !

-           لاحظت في ديوانك لا سكر في المدينة قوة البحث عن ماذا تبحثين وما السبب؟

ملاحظتك دقيقة واسمح لي أن أضيف بأنه بحث واكتشاف ثم توثيق لمشاعري، أنا أبحث عن نفسي أمام المشاهد أرصد تأثري بالأشخاص والأشياء والأحداث ، أتقمّص أحيانا روح شجرة أوعصفور، أتخيلني زبد بحر أو  بجناحين أو أن لي قدرة على التضخم ، على الامتلاء بالأشياء أو الذوبان فيها، ربما كان البحث بدايتي دوما ً لكنه يقف في محطات كثيرة أخرى.

-           هل المشهد السياسي يؤثر على الشاعر بصورة سلبية ام يعتبر حافز للإبداع؟

في فلسطين المحتلة، نعيش هذا الوجع منذ وعينا، عشناه في تفاصيل طفولتنا كما سبق ووصفت بشكل عام ولكنه بشكل خاص يترك أثره في كل بيت وكل قلب وكل عائلة عاشت وتعيش التهجير بداية من جيل النكبة في العام 48 وصولا إلى الجيل الثالث بعد مرور أكثر من سبعين عام على تلك الواقعة الجريمة وما تلاها من أحداث ربطت الوعي الفلسطيني بمأساة غير منتهية من الفقد الجغرافي والوجداني في جسد وروح العائلة الفلسطينية الممتدة والتي تتوارث الحق في العودة والحق في الوجود المغتصب والحقوق التي لا ينالها بفعل طغيان الجريمة والتواطؤ الدولي مع المحتل وتفعيل كل الوسائل لسحق إرادة الشعب الذي يبدو ضعيفا ، فقيرا وهشّا ولكنه متشبث بالبقاء والتعبير عن وجوده بكل ما يستطيع وبأكثر مما تسمح به الظروف في غالب الأحيان، نحن شعب يأخذ التحديات على محمل الجد ويبدع في قول الأشياء وفعلها، ولقد كان الفلسطيني وما زال كإنسان خير ندّ للمعتدي المتوحش.ومع أن التجاذبات الفكرية والاختلاف في الرأي أفسد قضية الودّ وقسم الوجود الفلسطيني جغرافيا بين الضفة وغزة إلا أن الروح الفلسطينية لا تفقد الأمل ولن تفقده في استعادة الكيان الواحد، وصحيح أن المأساة توحدنا وأن فترات الهدوء تجعلنا نبدو بعيدين عن ما يجب أن نكونه، لكننا نعرف جيدا وندرك كيف تبعدنا حواجز الاحتلال  وتحكمه في المعابر، كل ذلك لجعلنا نشعر باليأس تجاه استعادة الامتداد الطبيعي للكيان الفلسطيني المتاح كدولة متصلة الجغرافيا ومحكومة بمنظومة عادلة بدون تقسيم او شعور بالاستثناء وكل ما نجده في الساحة الفلسطينية من حزن وإجراءات تتخبط بسبب تفاصيل مؤلمة لحالة الاختلاف وغياب القدرة على حكم الذات وحق تقرير المصير، كل ذلك يترك أُثره على المشهد الثقافي بكامل تفاصيله لأنها باختصار حياتنا اليومية غير العادية التي نعيشها ونتأثر بها ونعبر عنها، إن ذلك  الألم العميق بأصله وتفرعاته يجعل معين الكاتب الفلسطيني لا ينضب من القصص والأحداث هذا بالإضافة إلى يومياته الذاتية في اختلاط يحمل بصمة خاصة لشعبنا وموروثه الوجداني والثقافي وكذلك  لحاضره ومستقبله

ماذا يطلقون عليك  شاعرة الوطن ام الامل ام شاعرة الوجدان والبحث في زوايا الوجع؟

أعتقد أنني معجبة بلقب "شاعرة الماء" الذي أطلقه عليّ الكاتب  خليل ناصيف من رام الله، لقد لاحظ تأثري واهتمامي بثيمة الماء والبحر فكان منه هذا الوصف الذي أعتبر أنه وصفني به بعد أن رآني بوضوح داخل النص، حيث أنني مولعة فعلا بالبحر وكل مكوناته المادية منها وكل ما يتركه من أثر في النفس ، البحر، ذلك المكون الجغرافي لكوكبنا الأرضي والذي تمتد فلسطين الكاملة على أحد أهم بحاره، ممتنة لكوني ابنة هذه البلاد التي تطلّ على الكائن الأزرق المتوسط العظيم.

هل سبق لك المشاركة في ورش عمل خارج الوطن؟

شاركت في عام 2015 في ملتقى أدبي في تونس، وكانت فرصة مهمة للتعارف ببعض أدباء تونس وأيضاً، فرصة مهمة لقراءة نصي أمام من اهتم بالحضور من رفاق الكتابة وجمهور الأدب هناك

 هل من اصدارات جديدة بعد ذوبان السكر خارج المدينة؟

أخطط لنشر مجموعتي الجديدة في هذا العام 2020 ، أرجو أن تسير الأمور كما يجب ليكون هناك فرصة حقيقية لعمل جديد، رغم أن النشر الالكتروني يصلنا بالقاريء المهتم إلا أن الكتب يبقى لها ذلك الطابع والأثر المهم كما أنها توثيق يحفظ حق الكاتب ويصون تجربته، آمل أن نعيش ظروفاً جيدة ومحفزّة لنحتفي بالأدب ونعزز الثقافة في ظل كلّ ما نعيشه وتعيشه المنطقة من تغيرات لا تهدأ.