ألوان الثقافة في فلسطين.. تاريخ حافل بالحضارة بقلم / أ . عاطف صالح المشهراوي _ صحفي وكاتب إعلامي أكاديمي

عاطف المشهراوي.jpg

ألوان الثقافة في فلسطين.. تاريخ حافل بالحضارة

بقلم / أ . عاطف صالح المشهراوي _ صحفي وكاتب إعلامي أكاديمي

 حين يكون حديثي عبر مقالي هذا عن الثقافة فإنني أدعوكم يا أحبابي أن تستشعروا ما أكتب جيداً , فاختيار مقالي لم يأتي بالصدفة , بل وجب عليَ كفلسطيني وكاتب أكاديمي أن أُلقي نظرة هامة عن مفهوم الثقافة في وطننا فلسطين من أجل ترسيخها عبر العقول الناضجة المتعطشة لزاد العلم والتربية والمعرفة والإيمان في زمن أصبحت فيه الثقافة مجرد تسلية أو ترف حضاري خاصةً في البلدان النامية , ولكن البعض يعتبرها هدفاً رئيسياً وعاملاً من عوامل النمو الحضاري الراقي , وأداة هامة لتسيير عملية التنمية وأحد أهدافها الرئيسية .

 يختلف مفهوم الثقافة ودورها في المجتمع وتأثيرها في مختلف الفعاليات الأساسية من دولة إلى أخرى والتي يتألف فيها النشاط الإنساني لتحقيق الحضارة والتقدم وينشأ تبعاً لذلك اختلاف جذري في السياسات الثقافية للدولة . فبعض هذه السياسات تعتبر الثقافة أداة هامة لتسيير عملية التنمية وأحد أهدافها الرئيسية وعاملاً من عوامل النمو الحضاري الهام ، وبعضها ينظر إلى الثقافة على أنها مجرد تسلية أو ترف حضاري خاصة ً في البلدان النامية . وبما أن الثقافة في فلسطين تتعدد بأنواعها فهي باعتقادي الموروث الثقافي الذي يشكل جزءً كبيرا ً من الهوية الحضارية الفلسطينية التي تتفاعل مع كل طبقات المجتمع الفلسطيني وتنقل صورة تعكس معاناة وآهات شعبنا الصابر  .

 لقد ألقت ظروف الاحتلال الإسرائيلي ظلالاً من القهر والمرارة على شعبنا الفلسطيني ، حيث عانى بما فيه الكفاية من الذهول الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي امتد زمنا ً طويلا ً بعد النكبة ، فقد شلت تلك الظروف أي إبداع فكري ومنعت أي نشاط ثقافي ، وذلك لعدم توفر الجو المناسب لتنمية وتطوير الثقافة . ولكن بعد الخروج من حالة الصدمة بدأ المثقفون من أبناء شعبنا يتحسسون واقعهم ، فتفجرت لديهم طاقات إبداعية وفكرية في نتاج يعكس الواقع الفلسطيني المر ، وبذلت المراكز الثقافية في فلسطين جهدا ً غير عادي في نشر الوعي الثقافي لدى أبناء شعبنا ولكن في معظم الأحيان كانت تصطدم بواقع العمل السياسي .. المراكز الثقافية في فلسطين تقوم بدور ثقافي فعال ، لكن هذا الدور يبقى محدودا ً .

 لذا كان لزاما ً أن تقوم هذه المراكز بإعداد خطة وطنية للثقافة الفلسطينية تشمل الحكومة والأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني ، علما ً أن المثقفين من أبناء وطننا الحبيب قاموا بجهود حثيثة وبذلوا جل اهتمامهم ولا يزالون في كثير من العمل الثقافي ، وأنتجوا العديد من الأعمال الأدبية والفنية والاجتماعية والتربوية من خلال بناء العديد من المراكز الثقافية في شتى أرجاء الوطن ، حيث كان لهذه المراكز ولا يزال دورها في إبراز ونشر الوعي الثقافي الفلسطيني من أجل ترسيخ الهوية الفلسطينية .

كما أنها استطاعت أن تقوم بدور بارز لترسيخ وتوثيق التراث الحضاري والثقافي الفلسطيني في نشر الوعي الفكري بين أبناء الوطن الواحد سواء ً في الداخل أو الخارج من خلال إقامة المعارض الحرفية والفنية والتراثية الهادفة محليا ً أو دوليا ً و تنظيم الدورات التثقيفية ونشر الكتب المتنوعة التي تحكي الواقع الفلسطيني .

 أما على مستوى الطفل فقد عملت هذه المراكز جاهدة ً على توثيق علاقة الطفل بما لديه من طاقات ورغبات وهوايات ثقافية وفنية وتربوية واجتماعية من خلال إقامة الكثير من البرامج والدورات التدريبية وورش العمل وإقامة المخيمات الصيفية التي من خلالها يتم تطوير فن الرسم للأطفال ، وافتتاح المعارض الفنية وبرامج ثقافية أخرى عديدة . وقد تفاعلت هذه المراكز بأنشطتها العديدة والمتنوعة رغم الحصار والاجتياح وقتل الأطفال ، واستطاعت أن تقوم بنشر أدب الطفل الفلسطيني الذي تجاهله العالم لمدة طويلة من الزمن ، فكان لتلك المراكز الفضل الكبير في إبراز هوية الطفل الفلسطيني الثقافية والحضارية والاجتماعية والتربوية .

وبما أن بعض هذه المراكز حديثة النشأة مقارنة بمراكز ثقافية عالمية أخرى إلا أنها استطاعت أن تقوم بإبراز وإحياء الثقافة والوعي الحضاري في فترة قصيرة منذ نشأتها ، حيث أن الهدف الرئيسي من إنشائها هو التوثيق الشامل والمنظم بشكل كبير مع طبقة الأدباء والشعراء والطلاب والفنانين التشكيلين بكافة طبقاتهم وأجناسهم . حيث نظمت وأقامت لهم العديد من المعارض الثقافية والفكرية والفنية بأنواعها ومدت لهم يد المساعدة من خلال ورش العمل لتفريغ كل ما لديهم من طاقات وهوايات ورغبات فنية وثقافية ..

فكان ذلك له الأثر الكبير في نشر العلم والأدب الثقافي لدى أبناء الوطن بعد أن غُيب لفترة طويلة من الزمن بسبب سياسة التعنت الإسرائيلي .. بقى لي أن أذكر لكم أن هذه المراكز عَمرت وأنشأت أجزاء ً هامة لبيوت الحرفيين التي استطاعت أن تُبرز ما لديهم من فنون حرفية تراثية يدوية تناقلوها عبر العصور والأجيال عن الأجداد ،

وزودتهم بكل الطاقات اللازمة ليصنعوا ويُبدعوا ويعرضوا فيها منتجاتهم الحرفية التي تم إحياؤها من التراث الفلسطيني بعد أن حاول الإحتلال مرارا ً وتكرارا ً طمسه  ، ولكن بعزيمة وإرادة أولئك الحرفيين استطاعوا مواصلة صناعة هذه الحرف اليدوية التراثية التي حملت الهوية التراثية الثقافية الفلسطينية عبر الأجيال . إن المراكز الثقافية الفلسطينية كانت ومازالت وباستطاعتها دوما ً العمل على الارتقاء بالواقع الثقافي والتراثي والاجتماعي الهام في فلسطين وتساهم مساهمة جادة وفاعلة في مسيرة  البناء .

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});