مستقبل النظام العالمي أحادي القطبية,,, بقلم/ د.حسام الدجني

حسام الدجني.jpg

غزة/ المشرق نيوز

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات أخذ النظام العالمي مساراً أحادياً تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح الدولار العملة الرئيسية في كافة المعاملات العالمية، ووصلت الهيمنة الأمريكية على كافة التنظيمات الدولية. الهيمنة الأمريكية على الدول والمنظمات الدولية تعتمد على مبدأ القوة العسكرية بالدرجة الأولى، ويساندها في ذلك لوبيات السلاح (شركات السلاح الأمريكية) ثم سخرت الولايات المتحدة القوة الاقتصادية كمدخل للهيمنة عبر ورقة المساعدات والمنح الدولية المباشرة أو التي توجه من صندوق النقد الدولي التي تهيمن الولايات المتحدة على قراراته كونها من أكبر المساهمين في ميزانيته.

استراتيجية القوة الخشنة التي تنتهجها الولايات المتحدة مع دول العالم لم تلق قبولاً من الكثير من الدول لا سيما العظمى، فعملت تلك الدول وما زالت تعمل على كسر الهيمنة الأمريكية ولكن باستراتيجية مختلفة، ومن أبرز تلك الدول الصين التي تؤمن بالهيمنة عبر القوة الناعمة، فولدت منظمة شنغهاي ومجموعة البريكس، والأكثر تأثيراً على بنية النظام العالمي هو طريق الحرير أو ما يعرف في الصين بمبادرة الحزام والطريق، هذا المشروع الجيو استراتيجي سيجعل من الصين قوة ذات تأثير سياسي واقتصادي كبير في العالم في غضون سنوات قليلة، كونه يمر عبر أكثر من خمسين دولة، وهذا يعني أن الصين ستكون مضطرة لحماية مصالحها ومشروعها الاستراتيجي الواعد من خلال القوة العسكرية، وعبر بناء تحالفات كبيرة مع دول مناهضة للإدارة الأمريكية وهو ما يفسر عقد ست قمم جمعت الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ منذ شهر مايو الماضي وحتى اليوم، أهم ما تمخض عنها زيادة نسبة التبادل التجاري بين البلدين بالعملة المحلية بعيداً عن الدولار، وهو ما سينعكس على قوة الدولار كعملة رئيسة في العالم.

إن روسيا ترى في الولايات المتحدة وما تقوم به في منطقة القوقاز وغيرها، وتحديداً في أبخازيا وجورجيا وشبه جزيرة القرم بالإضافة إلى رغبة الولايات المتحدة المستمرة في بناء درع صاروخي في أوكرانا وغيرها يستهدف مصالح موسكو في المنطقة، يدفع بالأخيرة في بناء تحالفات جديدة ستعمل على تصدع النظام العالمي أحادي القطبية، وأحد أهم أوجه التوجه الروسي بعد التقارب الاستراتيجي مع الصين هو بيع تركيا منظومة الدفاع الجوي الأكثر تطوراً في العالم إس 400، وكذلك دفاع موسكو على طموحات إيران النووية وقرارها الأخير زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم بعد انقلاب السيد ترامب على الاتفاق النووي الذي وقعته مجموعة 5+1 في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

ليست روسيا والصين لوحدهما من يرغبان في تغير شكل النظام العالمي وانتقاله من النظام الأحادي القطبية إلى المتعدد الأقطاب، بل هناك أيضاً دول تتطور سريعاً من الناحية الاقتصادية والعسكرية وأهم تلك الدول الهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، وعليه فإن حقبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياسته الخارجية القائمة على البعد الذاتي الشخصي والديني على حساب البعد المؤسساتي والتي اتضحت في قراره المتسرع الرد على حادثة اسقاط إيران للطائرة المسيرة ثم تراجعه على الفور بعد تقدير الموقف الذي تقدم به قادة الجيش الأمريكي له يؤكد بأن ترامب يأخذ الولايات المتحدة تجاه التصادم الذي يضعف من قوة تأثيرها ويعزز من حضور الأطراف المنافسة، ومن المؤشرات التي تعزز من تلك الفرضية رغبة عديد الأطراف الدولية والاقليمية بالانفتاح على الصين وروسيا ولكن ضمن مبدأ عدم الاستدارة المباشرة للإدارة الأمريكية، ولعل ورقة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أحد النماذج المهمة لما تمثله من تأثير على السياسة الخارجية لدول الشرق الأوسط جميعاً، فقد صرح الرئيس محمود عباس في أكثر من مناسبة رفضه لاحتكار الولايات المتحدة الدور في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ودعا كل من روسيا والصين والاتحاد الأوروبي للعب دور مهم في استضافة مؤتمر دولي للسلام لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً

لقد بات من الواضح أن رغبة إدارة ترامب في تمرير صفقة القرن في هذا التوقيت والتي تهدف بالدرجة الأساسية دمج إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط كدولة طبيعية وصولاً لهيمنتها على المنطقة لحماية المصالح الأمريكية بشكل مباشر وتفرغ الولايات المتحدة لمنطقة وسط وشرق آسيا، لوقف التمدد الصيني والروسي، بات لزاماً على النظام الإقليمي العربي تعزيز العمل المشترك، واستغلال الفرص التي قد يحدثها التغيير في بنية النظام العالمي، وذلك عبر افشال صفقة القرن وكسب الوقت، لأن القادم سيكون أفضل لشعوب المنطقة، وهو ما يتطلب وحدة الشعب الفلسطيني، وإنهاء الأزمات التي تشهدها المنطقة العربية، وصولاً لإفشال صفقة القرن وتفريغها من مضمونها عبر بناء استراتيجية وطنية. وحتى يتم ذلك مطلوب دور روسي صيني لدعم تلك الاستراتيجية وهذا التحول الذي يخدم العالم أجمع، لأن تحرر المنظمات الدولية من مبدأ الهيمنة لصالح سيادة القانون والعدالة سيخدم نظرية الأمن والاستقرار الدولي، ويقوض من فرص تنامي الإرهاب أي كانت انتمائه الديني والعقدي والإثني.