ماذا تعرف عن تياترو فلسطين ؟؟ د.احمد لطفي شاهين

احمد لطفي شاهين.jpg

ماذا تعرف عن تياترو فلسطين ؟؟
د.احمد لطفي شاهين
كثيرًا ما اختلف الفلاسفة والحكماء والأدباء وتجادلوا وتناقشوا ، حتى يجدوا وصفًا دقيقا للمسرح  ،بحيث يكون قريبًا من حقيقته وما هو عليه و كثيرًا ما كتبوا وألفوا وعزفوا ورسموا ، ولكن قليلاً ما تمكنوا من الاقتراب من حقيقة هذا الأمر العظيم الذي يعيشه ويحلم به الجميع ويتمنى كل انسان ان يقف على خشبة المسرح لكن الخجل والتردد يمنعهم دوما . 
 إن المسرح في حقيقة الامر هو عالم اخر متكامل يصلح  للتعبير عن كل شيء امام الجمهور سواء بمسرحية او قصيدة او تدريب او أي طريقة يتأثر بها الجمهور ايجابا ولعل اخطر طرق التأثير هي المسرحيات اذا فهم الناس قيمة المسرح  وعندما نقول مسرحية فليس المقصود مشاهد هزلية ساخرة ولا كوميديا سخيفة وإنما  انعكاس لحالة يعيشها الشارع وتعبير عن صوت الشعب لان الممثل في المسرح هو ممثل عن الشعب تماما كالممثل في البرلمان مع فارق ان الممثل المسرحي يستطيع الكلام بجرأة وتصل رسالته للقلوب ويحبه الناس اكثر  بينما الممثل البرلماني ينسى الشعب بمجرد حصوله على اللقب ويكرهه الناس مع الوقت
لقد تشرفت الاسبوع الماضي بحضور ( مسرحية تياترو فلسطين ) وفوجئت بهذا الابداع الغير مسبوق من فريق من الممثلين المبدعين يجمع كل الاطياف شباب وبنات وذوي احتياجات خاصة وكلهم يتمتع بصفة انسان قبل ان نقول عنه ممثل لان الانسان الحقيقي هو من يتمتع بالإحساس بالآخرين والشعور بآلام وعذابات الناس البسطاء والتكلم ممثلا عنهم على خشبة المسرح بصدق وإخلاص ومحبة  وعندما يبكي الممثل على المسرح فهو دليل على انه اكثر الناس احساسا لأنه امتلك الحس الانساني والحس الفني وتفاعل مع الواقع لدرجة جعلته يبكي ويبكي الجمهور معه  وهذا ما حصل معنا فعلا في( تياترو فلسطين ) في اكثر من مشهد لان المشاهد لامست قلوبنا واوجاعنا وواقعنا المرير
مشاهد متتالية بدأت بمشهد خطير جدا يمثله اخوين احدهما ملتحي والاخر بلا لحية يمثلان طرفي الانقسام الفلسطيني يرتبطان بحبل يمثل الحبل السري او الشريان بينهما ويدور بينهما حوار فني ادبي سياسي انساني عميق جدا  يتطور الى نقاش وصراع واشتباك ويرتفع وينخفض وفي نهاية كل فقرة يصلان الى نتيجة انه  لا حياة لأحدهما بدون الاخر ورغم ذلك يستمر العناد والنقاش والشد والجذب والسقوط على الارض والوقوف ومحاولة الهروب من احدهما ومحاولة الاخر منعه فلا حياة لأحدهما ابدا بدون الاخر وينهي المشهد يد عابثة تقطع الحبل بينهما تماما فيسقط الاثنان على الارض ويتوجعان ويصرخان ويستمر الصراخ الى ان يموت الاثنين وسيبقى الصراخ الى الابد طالما ذلك الحبل مقطوع بينهما لان الانفصال يعني الموت للطرفين وموت الطرفين يعني موت المستقبل للجميع ولكل الاجيال القادمة
مشاهد اخرى متتالية تعكس واقعنا الاجتماعي وتركز معظمها على خطورة الانقسام ومدى دكتاتورية بعض القادة وحجم حالة النفاق عند كثيرين من الذين يخرسون بسبب لقمة العيش الملعونة المغمسة بالذل فالغالبية من الناس اصبحت تبحث عن حياة .. مجرد حياة وهذه نتيجة طبيعية للانقسام الحاصل الذي ضيع 12  جيل خلال 12 سنة فلا بيوت ولا شقق ولا وظائف ولا عمل ولا امل بالزواج ونحتاج الى 50 سنة او اكثر لاصلاح آثار 12 سنة من الانقسام البغيض  واستطاعت ( مسرحية تياترو فلسطين ) ان تسلط الضوء على هذه الجوانب من خلال مشاهد هزلية ولكن موجعة جدا ورأيت الدموع في عيون البنات الحاضرات لان ما يقال يعكس حالهن بينما تماسك الشباب وبكى احد الحاضرين الكبار سنا واستغربت وعندما سألته قال لي عندي 3 صبايا خريجات بلا امل في وظيفة او زواج واحمل همهن واخشى ان اموت قبل ان افرح بهن ودمعت عيونه مرة اخرى وتركته مسرعا حتى ابقى متماسكا فاصطدم بي احد زملائي ومعه ابناؤه وتكلمنا فدمعت عيونه واستغربت لانه مستقر فقال لي لقد دفعت آلاف الدنانير حتى اعود الى غزة واحصل على هوية واقيم مع اهلي واحبابي في ارضي والان ادفع الاف الدنانير لاضمن هجرة لاولادي من بلدهم ودمعت عيونه فانسحبت مسرعا قبل ان اودعه حتى لا انهار في هذا الجو التراجيدي  فنحن في زمن اصبحت الدموع تنزل لاي مصيبة من مصائبنا الكثيرة ما بين حرب وقصف وتشريد وترحيل وقتل اطفال ونساء حوامل وهجرة شباب وتدمير مؤسسات فنية وثقافية وتخريب مستقبل الثقافة في فلسطين خصوصا في قطاع غزة
ثم اختتمت المسرحية بمشهدين في قمة الابداع الوطني والفني والسياسي 
مشهد يجسد  الحالة العربية المنقسمة المنشغلة عن قضيتنا وكيف ان قضيتنا هي محور الصراع في العالم وان انشغال العرب عنا  ليس في صالحهم بل مصلحتهم دعم صمودنا وبقائنا ومقاومتنا لاننا اذا سقطنا واندثرنا سيسقط العرب تباعها فنحن رأس الحربة في هذا الصراع ورغم ذلك ورغم معاناتنا وعذابنا نقف مع العرب في كل المعارك ونقاتل معهم ونساندهم وفي كل  بلد عربي لنا بصمات فلسطينية في مجال التعليم والصحة والهندسة وفي مجال العسكر ولن ينسى التاريخ دور قوات جيش التحرير الفلسطيني في حرب 1973 ودور قوات م ت ف في حماية لبنان في حصار 1982 ولولا وجود الفلسطينيين هناك لما كان هناك مقاومة في لبنان اصلا حيث بقيت المقاومة هناك الى اليوم رغم رحيل قوات جيش التحرير ثم يعيدنا المشهد بالذكريات الى انتفاضة عام 1987 ومدى قوة الحجارة امام جيش الاحتلال الصهيوني ولكن القوة لم تكون في الحجارة ذاتها وانما كانت في الوحدة الوطنية الشاملة في ذلك الوقت والتي جعلت الحجر في ذلك الوقت اقوى من الصاروخ اليوم لان القوة الحقيقية في الوحدة الوطنية الشاملة ويثبت المشهد ان العدو لا يميز في القتل بين تنظيم وتنظيم فكل من هو عربي وكل من هو غير صهيوني هو مستهدف  ولن يرحمه الاحتلال  ولذلك علينا ان ننهض وان نجتمع في مواجهة العدو الصهيوني الجبان المتغطرس والا سيقتلنا تباعا بالرصاص او بالقهر او بالحسرة
المشهد الاخير هو مشهد بالعربية الفصحى مشهد راقي وقوي يجسد دور المعتقلين الفلسطينيين الابطال الصامدين الذي يتجاهلهم الاعلام كثيرا ويأتي ذكرهم بشكل عابر مجرد رقم احيانا غير دقيق عن عددهم  ويمثل المشهد معتقل فلسطيني مكبل وملطخ وجهه بالدماء نتيجة التعذيب ويدخل معه المحقق في جدال تاريخي وينتصر المعتقل الفلسطيني كل مرة في ذلك الجدال مع المحقق الصهيوني المتغطرس لدرجة ان المحقق يعجز عن الكلام  ولكن يستمر النقاش بالعربية الفصحى ليذكرنا بعناد المعتقل الفلسطيني عندما كان يرفض التكلم بالعبرية مع المحقق الصهيوني لاجباره ان يتكلم لغتنا نحن الفلسطينيين العرب فاللغة العربية الفصحى في المسرحية دلالة على عروبة شعبنا واصالته وعمقه العربي في مواجهة محتل طارئ ضيف على المنطقة ليس له أي علاقة بهذه الارض الا من 70 عاما فقط عندما احتلها بالقوة واما نحن اصحاب  الارض فنحن الاصل والهوية والحضارة والتاريخ منذ اجدادنا العرب الكنعانيين والى اليوم وسنبقى الى الابد نصارع ونقارع هذا المحتل ولن يرهبنا الاعتقال ولن نتراجع حتى لو انتهت حياتنا بالموت كما انتهت حياة المعتقل بإعدامه في هذا المشهد بعد فشل المحقق معه في انتزاع الاعتراف وفشله في النقاش معه وافحام المعتقل له بقوة الحجة والصدق امام الكذب الصهيوني والتزوير في التاريخ  وهكذا انتهى المشهد باعتقاد المحقق انه انتصر بقتل المعتقل لكن الحق سينتصر حتما حتى لو اغتيل اصحاب الحق لأن الحق هو اسم من اسماء الله ولن يقبل الله بالظلم ابدا
 ان (مسرحية تياترو فلسطين ) فكرة رائدة مميزة ابداعية بدأت بافكار تطوعية ومبادرات شبابية بهدف سد العجز الاكاديمي في مجال العمل المسرحي ومحاولة زرع قيم وافكار ايجابية جديدة وتعزيز القيم الايجابية المتوارثة لان المسرح هو الانعكاس الحقيقي للواقع وللشارع وللماضي والحاضر والمستقبل والممثل المسرحي هو ابن الشعب ومن الشعب ويعيش نفس ظروف الناس ولا ينعزل عن الشعب ابدا ولو انعزل يوما ما في برج عاجي كما يفعل القادة وممثلي البرلمان فان رسالته ستكون انتهت تماما لانها ستنفصل عن الشعب والانفصال عن الشعب يعني الانهيار وانعدام قيمة العمل المسرحي وسيتحول الممثل الى مجرد مهرج
ارجو ان يتكرر العرض المسرحي وان يتم دعوة القيادات السياسية له ودعوة كل قيادات العمل الوطني والاسلامي ودعوة الاخوة في وزارات الثقافة والاعلام ونقابة الصحفيين الفلسطينيين وكل الفضائيات المحترمة لتغطية أي عرض مسرحي قادم ونشره على اوسع نطاق وارجو ان يجد الاخوة الممثلين من يتبناهم ويدعمهم ويعزز ابداعهم الوطني بامتياز  وللتذكير وبالرجوع الى التاريخ فقد انتجت الماسونية العالمية بالتعاون مع الصهيونية العالمية اكثر من 1800 مسرحية في كل دول اوروبا وروسيا من عام 1900 الى عام 1945 لاقناع اليهود بالهجرة الى فلسطين  وهي استراتيجية ماسونية خطيرة جدا تسمى (( التسلل الى قلوب وعقول الناس من خلال ابواب محبوبة لديهم )) وهذا يؤكد على  اهمية وخطورة المسرح ومدى قدرة المسرح على التأثير على قناعات الشعوب وتغيير السلوك ولذلك ارجو ان يتم استثمار المسرح لمصلحة الشعوب وإصلاح العيوب الاجتماعية والسياسية وصولا الى تغيير الواقع للافضل وارجو ان يكون هناك دعاية قوية للعروض قبل موعدها حتى يكون اقبال شعبي على هذه العروض لان المسرح هو مقياس ثقافة الشعوب والثقافة هي معيار الرقي الاخلاقي وعندما يصبح كل شي ثقافة شعبية وممارسة يومية لتلك الثقافة فإننا سنتحول الى ارقي الامم وافضل الشعوب  لان ليس كل متعلم مثقفا ف.ثقافة الإنسان هي التي تحدد سلوكه...كما ان الثقافة هي تعريف انفسنا بأفضل شيء مما يعرف ويقال ويصنع ويمارس بشكل راقي 
 الثقافة بصفة عامة هي ذلك المركب الذي يتضمن المعرفة والفن والأخلاق والمعتقدات والعادات .. وهذا التعريف الاخير للثقافة هو احد تعريفات المسرح الهادف كوسيلة لتطوير المجتمع بشكل هاديء وراقي واخلاقي ... وهناك فارق كبير جدا بين هادف وهابط
احتراماتي وتقديري لكم ولجهودكم فريق العمل في مسرحية تياترو فلسطين بلا استثناء