الدلالات السياسية وراء فتح ملف اغتيال الرئيس عرفات!! الدكتور ناجي صادق شراب - استاذ علوم سياسية - غزة

الدلالات السياسية وراء فتح ملف اغتيال الرئيس عرفات!!  الدكتور ناجي صادق شراب - استاذ علوم سياسية - غزة 


هل هناك من نظرية تاريخية سياسية حتمية تربط بين إغتيال الرئيس عرفات وتسوية القضية الفلسطينية؟ والسؤال بصيغة واضحة قاطعة هل إغتيال الرئيس عرفات له علاقة بمسار عملية السلام وإنهاء الصراع مع إسرائيل؟

ويبدو أن السؤال من نوع الأسئلة التي قد تثير الإتهام ولا أقصد: بذلك إلى الجانب الفلسطيني. والإجابة على هذا السؤال قد يقودنا إلى استخلاص نتائج خطيرة، وقد يترتب عليها تداعيات خطيرة جدا تتعلق بمستقبل السلطة الوطنية، وهنا نعود للتساؤل من جديد هل للسلطة أو أحد فاعليها دور في ذلك؟ وإذا ما ثبت ذلك فهذا يعني أن السلطة الوطنية غير مؤهلة، وغير مؤتمنة على مستقبل القضية وشعبها .

وإذا كان الأمر كذلك فلمصلحة من أن تفقد السلطة مصداقيتها، ومن هو البديل لها؟ وهنا يمكن ان يستخلص مباشرة أن حركة «حماس» قد تكون المستفيد الأول من ذلك، وهو ما قد ينعكس على مستقبل المصالحة الفلسطينية التي لن يعود لها وجود مع هذه السلطة.

وهل لإسرائيل مصلحة مباشرة في إغتيال الرئيس عرفات؟ لا خلاف في ذلك ، هذا على الرغم من أن الرئيس الراحل هو من أقدم على توقيع كل إتفاقات السلام مع سرائيل، ومنحها الإعتراف بوجودها كدولة لكن لا خلاف أيضا على أن الرئيس عرفات هو من رفض أن يتنازل عن الثوابت الفلسطينية ورفض أن يقدم اي تنازل ، وأن الرئيس عرفات ولما له من تأثير قد وضع إسرائيل في موقف الإختيار الصعب ، وبالتالي لا بد من التخلص منه . هذا مجرد تحايل وتفسير منطقي ، أن كل من يتعارض ويعارض المصلحة الإسرائيلية لا بد من التخلص منه ، وهذا ينطبق على كل القيادات التي تم إغتيالها ، لكن هذا الإستنتاج يقود إلى ما يسمى بنظرية المؤامرة، وهو ان البديل الفلسطيني له مصلحة أو دور في التخلص من الرئيس عرفات.وهنا تكمن معضلة فتح ملف اغتيال الرئيس عرفات.

ما هي مصلحة زوجته؟ وما هو هدف قناة الجزيرة ؟ من هو المستهدف من وراء ذلك؟

قبل أن أجيب على هذه التساؤلات، لا بد من قراءة سياسية لإغتيال الرؤساء، والدلالات السياسية وراء ذلك. اي رئيس وأي حاكم ليس مجرد شخص عادي ، وخصوصا الرؤساء والحكام العرب الذي يمثلون دولهم ، كالرئيس عبد الناصر ، والملك فيصل ، والسادات . هؤلاء القادة العرب ليسوا مجرد حكام على رأس دول عادية ، بل هم يمثلون دورا وبرنامجا ورؤية سياسية ، ويمثلون مرحلة سياسية مهمة قد تتعارض ولا تلتقى مع مصالح قوى خارجية لها مصلحة مباشرة في المنطقة ، وإذا ما قلنا قوى خارجية ووفقا لنظرية المؤامرة تقفز إسرائيل والولايات المتحدة ، وهو تفسير يريح الكثيرين من البحث عن العوامل الداخلية المتعلقة بالحكم مثلا، وهو ما يذهب بنا إلى التشكيك في دور من يأتي بعد هؤلاء الحكام .

وإذا ما عدنا إلى الرئيس عرفات ، فهو أيضا ليس مجرد رئيس ، وليس مجرد زعيم هو يمثل قضية ، وشعب يناضل من اجل إنهاء الإحتلال الإسرائيلي وقيام دولته ، بل هو يمثل خيار المقاومة والنضال الذي لم يتخل عنه ، وخيار سلام الشجعان، والخياران يتعارضان مع مصلحة إسرائيل.

والذي يميز الرئيس عرفات كما أي رئيس فلسطيني من بعده هو الدور الإسرائيلي الذي لا يمكن تجاهله في مصير اي رئيس فلسطيني ، فنحن هنا امام نموذج معقد للرئاسة والحكم ، فمن ناحية إذا ما قام هذا الرئيس بدوره في عملية السلام والإتصال بالجانب الإسرائيلي وهو أمر حتمي قد يتهم بانه متعاون مع إسرائيل على حساب شعبه، وإذا ما تصلب في موقفه وهذا يتعارض مع إستحقاقات اي رئاسة فلسطينية ممثلة بعرفات أو غيره فقد يتهم بالإرهاب والتطرف من قبل إسرائيل ، ومن ثم لا بد من التخلص منه .

هذه النظرية أسميها بنظرية الكماشة التي يمارس فيها أي رئيس فلسطيني مهامه وهذا ما وقع فيه الرئيس عرفات ، وبحكم تركيبته العسكرية التي لا تسمح بالإستمرار في أي عملية تسوية سياسية دون هدف سياسي، وبحكم هذه الخلفية وتمسكه بخيار المقاومة التي قد ذهبت إلى حد تأييد قوى المقاومة الأخرى وخصوصا الإسلامية ، وصل الرئيس عرفات إلى مرحلة إنسداد سياسي، او إلى مرحلة قضم الكماشة اي لا بد من التخلص منه . هذه النتيجة لا أحد يستطيع أن يتبرأ منها ، وتبقى طريقة التخلص من هذه الشخصية ، فعندما حاصرت القوات الإسرائيلية المقاطعة ولم يكن بينها وبين الرئيس عرفات أكثر من متر لم تستطع أن تتخلص منه، لأنها ستحوله إلى بطل قومي، وقد يقود ذلك إلى إنتفاضة شعبية وقتها لا تقوى إسرائيل على تحملها، ناهيك عن انه سيؤدي الى إنهيار كامل للسلطة الفلسطينية أيضا وهو ما لم تكن إسرائيل مستعدة له، وتعرضها لضغوطات وإنتقادات عربية ودولية كبيرة.. والبديل لذلك هو البحث عن وسيلة أخرى للإغتيال بالسم أو غيره، وهي الطريقة التي قد تحتاج معها إلى ايد فلسطينية قريبة جدا، ومن هنا جاء الدور الفلسطيني، ومن هنا ايضا الربط بين التوقيت في إعادة فتح ملف الإغتيال، سواء من قبل قناة الجزيرة، أو زوجته.

إذن الهدف واضح ، المقصود بذلك هو البحث عن الدور الفلسطيني، لأنه لا خلاف على قيام إسرائيل بدور مباشر في عملية الإغتيال، وحتى مع التسليم بذلك، ماذا سيكون رد السلطة، وهي تؤكد دائما أن إسرائيل وراء الإغتيال، هل ستقاطع السلطة إسرائيل؟ وهل ستعلن عن عدم المفاوضات معها ؟ وهل ستعلن أنها ستتبنى خيار المقاومة ردا لإعتبار اغتيال الرئيس عرفات؟

كل هذه الخيارات صعبة وبعيدة عن قدرة السلطة .

ما قصدت إن اصل أليه أن المستهدف من فتح ملف الإغتيال هي السلطة الفلسطينية ، وان الهدف هو إفقادها أي شرعية سياسية، والتخلص من رئيسها وكل مكوناتها، ويبقى السؤال لمصلحة من يتم ذلك؟ ، وعليه فالمسألة ليست كما يبدو، والمطلوب من السلطة أن تبرىء موقفها ، وان تكشف كل الملابسات والأوراق لديها ، فالمسألة والهدف مرتبط بوجود السلطة كلها، ومرتبط بمستقبل القضية الفلسطينية وتسويتها او على أقل تقدير فرض تسوية سياسية ما بالقوة . هذا ما ينبغي قراءته من وراء فتح ملف اغتيال الرئيس عرفات .